حسن بن عبد الله السيرافي
311
شرح كتاب سيبويه
وقول سيبويه : " ولكنه أدخل التأنيث على ( ما ) حيث كانت الحاجة " . يعني أنّث " جاءت " لمعنى التأنيث في ( ما ) ؛ لأن معناها : أيّة حاجة ، ولو حمل " جاء " على لفظ " ما " لقال : " ما جاء حاجتك " إلا أنّ العرب لا تستعمل هذا المثل إلا مؤنثا والأمثال إنّما تحكي . وقول العرب : " من كانت أمّك " جعلوا ( من ) مبتدأة ، وجعلوا في كانت ضميرا لها ، وجعلوا ذلك الضمير اسم كان وجعلوا " أمّك " خبرها وأنثوا " كان " على معنى " من " فكأنه قال : " أيّة امرأة كانت أمّك " . قال سيبويه : " وإنما صيّر جاء بمنزلة كان في هذا الحرف ؛ لأنه بمنزلة المثل كما جعلوا عسى بمنزلة كان في قولهم : " عسى الغوير أبؤسا " . ولا تقول : عسيت أخانا . وكما جعلوا " لدن " لها مع " غدوة " حالة ليست مع غيرها ، مع غدوة منّونة ، كقولهم : لدن غدوة ومن كلامهم أن يجعلوا الشيء في موضع على غير حاله في سائر الكلام ، وسترى مثل ذلك إن شاء اللّه تعالى " . قال أبو سعيد : أما قوله : " إنما صير جاء بمنزلة كان في هذا الحرف " يعني أنهم جعلوا له اسما وخبرا ، كما جعلوا لكان ، وقد بينّا هذا . ومثل ذلك : " عسى الغوير أبؤسا " جعلوا الغوير اسم عسى ومرفوعا به ، وأبؤسا خبر الغوير ، فجرت " عسى " مجرى " كان " في أن لها اسما وخبرا في هذا المثل فقط . ولو قال قائل : " عسى زيد أخاك " ، كما تقول : " كان زيد أخاك " لم يجز ، وإنما أراد أن يريك أن " جاء " و " عسى " في الكلام في غير هذين المثلين ليسا بمنزلة " كان " وصيّرا في هذا الموضع بمنزلة كان في العمل . وقولهم : " عسى الغوير أبؤسا " يقال إن " الزبّاء " الرّومية هي التي قالته لما أتاها " قصير " بصناديق فيها رجال طالبا لثأر جذيمة الأبرش منها ، فأخذ في طريق الغار مريدا للإيقاع بها ، ولم يكن الطريق الذي يسلكه إليها ذلك الطريق ، فلما أحسّت بذلك قالت : عسى الغوير أبؤسا . وأبؤس جمع بأس فكأنها قالت : صار الغوير أبؤسا ، إلا أنّ عسى فيها معنى الشكّ والتوقّع ، وصار لليقين فعسى هاهنا وإن أجريناها مجرى ( صار ) و ( كان ) ، فهي غير خارجة من معنى الشك ، فكأنها قالت : عسى الغوير أن يأتيني البأس من قبله . والغوير تصغير الغار . وفي الناس من يقول : عسى الغوير أن يكون أبؤسا ، فينصب